
شهدت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية واجتماعية جذرية، تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030 الطموحة.
كان لزاماً على الإطار التشريعي المنظم لسوق العمل أن يواكب هذه التطورات، مما أدى إلى إقرار سلسلة من التعديلات الجوهرية على نظام العمل السعودي.
هذه التعديلات، التي يُشار إليها غالباً بـ نظام العمل السعودي الجديد لم تقتصر على تحديث بعض المواد فحسب، بل مثلت نقلة نوعية نحو بناء بيئة عمل أكثر مرونة، وعدالة، وجاذبية للاستثمارات والكفاءات الوطنية والدولية على حد سواء.
يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل شامل لأبرز ملامح نظام العمل السعودي المحدث، مع التركيز على الإجابة عن التساؤلات المحورية التي تشغل بال العاملين وأصحاب العمل على حد سواء، بدءاً من تحديد مفهوم العاملين المشمولين بالنظام، مروراً بشروط صياغة عقود العمل، وصولاً إلى الإجراءات القانونية المتبعة لتقديم الشكاوى العمالية.
المحاور الرئيسية لتعديلات نظام العمل السعودي الجديد (2024-2025)
تعتبر التعديلات الأخيرة على نظام العمل، والتي صدرت في أغسطس 2024 وبدأ سريانها في مطلع عام 2025، هي الأحدث والأكثر تأثيراً في تاريخ النظام.
وقد شملت هذه التعديلات مراجعة واسعة النطاق، حيث تم تعديل ما يقارب 38 مادة، وحذف 7 مواد، وإضافة مادتين جديدتين، مما يعكس التزام وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بتطوير العلاقات التعاقدية بين أطراف الإنتاج.
تركزت التعديلات حول ثلاثة محاور أساسية: تعزيز حماية حقوق العمال، زيادة مرونة سوق العمل، ودعم برامج التوطين.
من أبرز هذه التعديلات ما يتعلق بتنظيم عقود العمل لغير السعوديين، وتوسيع نطاق الإجازات المستحقة، وتحديد آليات فض النزاعات العمالية بشكل أكثر كفاءة وسرعة، وقد جاءت هذه الخطوات لترسخ مبدأ العدالة التعاقدية وتوفير بيئة عمل مستقرة تضمن حقوق الجميع.
ما معنى كلمة العاملين وفق نظام العمل السعودي ؟
يُعد تحديد نطاق سريان نظام العمل من النقاط الأساسية التي يجب توضيحها، حيث يحدد النظام من هم الأفراد الذين يتمتعون بالحماية والحقوق المنصوص عليها في مواده، وقد نصت المادة الثانية من النظام على تعريف واضح وموسع لمفهوم “العامل”.
تعريف العامل ونطاق سريان النظام وفقاً للمادة الثانية المعدلة
يُقصد بـ “العامل” كل شخص طبيعي، سواء كان ذكراً أو أنثى، يعمل لمصلحة صاحب عمل وتحت إدارته أو إشرافه، مقابل أجر متفق عليه، هذا التعريف الشامل يؤكد على مبدأ عدم التمييز بين الجنسين في الحقوق والواجبات العمالية.
يشمل نظام العمل السعودي بشكل عام جميع العقود التي تنشأ بين العامل وصاحب العمل، سواء كان العامل سعودياً أو غير سعودي، مع وجود بعض الأحكام الخاصة التي تنظم عمل غير السعوديين لضمان التوازن بين حماية سوق العمل المحلي وحاجة المنشآت للخبرات الأجنبية.
الفئات المستثناة من تطبيق النظام
يستثني نظام العمل السعودي بعض الفئات من الخضوع لأحكامه بشكل كامل، وذلك لطبيعة عملهم الخاصة التي تنظمها لوائح أو أنظمة أخرى.
ومن أبرز هذه الفئات:
- عمال الخدمة المنزلية ومن في حكمهم: يخضعون للائحة عمال الخدمة المنزلية.
2.عمال الزراعة والرعي: يستثنى منهم من يعملون في المنشآت الزراعية التي تقوم بتصنيع منتجاتها أو التي تشغل عشرة عمال فأكثر.
3.أفراد أسرة صاحب العمل: الذين يعملون لديه فقط ولا يتقاضون أجراً.
- عمال البحر: يخضعون لأحكام خاصة في عقد العمل البحري.
5.العاملون في المنشآت الحكومية: يخضعون لنظام الخدمة المدنية أو اللوائح الخاصة بهم.
إن التحديد الدقيق لمفهوم العامل يضمن أن الحماية القانونية لنظام العمل تمتد لتشمل الغالبية العظمى من القوى العاملة في القطاع الخاص، مما يعزز من استقرار العلاقات العمالية.
ما هي شروط عقد العمل حسب نظام العمل السعودي الجديد ؟
يُعد عقد العمل هو الوثيقة الأساسية التي تنظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، ويحدد حقوق وواجبات كل طرف.
وقد أولى النظام السعودي أهمية قصوى لضمان أن تكون هذه العقود واضحة، وموثقة، ومتوافقة مع الحد الأدنى من الحقوق التي يكفلها النظام.

نظام العمل السعودي الجديد
المتطلبات الأساسية لصحة عقد العمل يشترط نظام العمل لصحة أي عقد عمل توافر مجموعة من الشروط الأساسية، أبرزها:
- الكتابة والتوثيق: يجب أن يكون عقد العمل مكتوباً، ويُفضل أن يكون موثقاً عبر المنصات الرسمية مثل منصة “قوى” التابعة لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وفي حال عدم وجود عقد مكتوب، يجوز للعامل إثبات حقوقه بجميع طرق الإثبات، لكن العقد المكتوب هو الأصل.
- المدة: يجب أن يحدد العقد مدته بوضوح إذا كان محدد المدة. أما إذا كان غير محدد المدة، فيعتبر سارياً حتى إنهاء العلاقة التعاقدية وفقاً لأحكام النظام.
- اللغة: يُحرر العقد باللغة العربية، ويجوز إضافة ترجمة بلغة أخرى، وفي حال الاختلاف يُعتمد النص العربي.
البنود الإلزامية في عقد العمل يجب أن يتضمن عقد العمل مجموعة من البيانات الأساسية لضمان وضوح العلاقة التعاقدية، وتشمل:
أحكام خاصة بعقود غير السعوديين وفترة التجربة أكدت التعديلات الأخيرة على ضرورة أن يكون عقد عمل غير السعودي مكتوباً ومحدد المدة.
وفي حال خلو العقد من تحديد مدته، يُعتبر سارياً لمدة سنة واحدة من تاريخ مباشرة العمل، مما يوفر إطاراً زمنياً واضحاً للعلاقة التعاقدية، أما بالنسبة لـ فترة التجربة، فقد نص النظام على أن تكون بحد أقصى 180 يوماً (ستة أشهر)، ويجوز إنهاء العقد خلال هذه الفترة من قبل أي من الطرفين دون تعويض، ما لم ينص العقد على خلاف ذلك.
ومن المهم الإشارة إلى أنه لا يجوز وضع العامل تحت التجربة أكثر من مرة واحدة لدى صاحب عمل واحد، إلا في حالات استثنائية محددة.
كيف أقدم شكوى ضد جهة عمل بموجب نظام العمل السعودي ؟
في حال نشوء خلاف بين العامل وجهة عمله، يوفر نظام العمل السعودي آلية واضحة وممنهجة لتسوية هذه الخلافات، تبدأ بمرحلة التسوية الودية وتنتهي بالتقاضي أمام المحاكم العمالية.
المرحلة الأولى: التسوية الودية (مكتب العمل)
يجب على العامل المتضرر أن يبدأ بتقديم شكواه عبر خدمة “التسوية الودية” التي توفرها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وذلك من خلال بوابة الخدمات الإلكترونية (بوابة الأفراد أو بوابة المنشآت).
خطوات تقديم الشكوى الودية:
1.الدخول إلى بوابة الخدمات الإلكترونية: يتم تسجيل الدخول عبر النفاذ الوطني الموحد.
2.اختيار خدمة التسوية الودية: يتم اختيار الخدمة وتعبئة بيانات الشكوى، مع تحديد نوع الخلاف والمطالبات المالية أو الحقوقية.
3.محاولة الصلح: يقوم مكتب العمل (إدارة التسوية الودية) باستدعاء الطرفين ومحاولة التوصل إلى حل ودي خلال مدة لا تتجاوز 21 يوماً من تاريخ تقديم الشكوى.
تُعد هذه المرحلة إلزامية قبل اللجوء إلى القضاء، وهي تهدف إلى حل النزاعات بسرعة وودية دون الحاجة إلى إجراءات المحاكم الطويلة.
المرحلة الثانية: المحاكم العمالية (القضاء)إذا فشلت جهود التسوية الودية في حل النزاع خلال المدة المحددة (21 يوماً)، يقوم مكتب العمل بتحويل الشكوى إلى المحاكم العمالية المختصة.
خطوات رفع الدعوى القضائية:
1.إحالة الدعوى: يتم إحالة ملف الدعوى إلكترونياً من مكتب العمل إلى المحكمة العمالية.
2.التسجيل عبر بوابة ناجز : يمكن للعامل متابعة حالة دعواه وتقديم المذكرات عبر بوابة “ناجز” التابعة لوزارة العدل.
3.التقاضي: تبدأ إجراءات التقاضي أمام المحكمة العمالية، والتي تتميز بالسرعة في البت في القضايا العمالية لضمان حصول العامل على حقوقه في أسرع وقت ممكن.يجب على العامل أن يحرص على تقديم شكواه خلال المدة النظامية المحددة، وهي 12 شهراً من تاريخ انتهاء العلاقة العمالية أو من تاريخ نشوء سبب المطالبة، وإلا سقط حقه في المطالبة.
حماية العاملين من التمييز والعمل الجبري
أكد النظام الجديد على مبدأ عدم التمييز بين العاملين على أساس الجنس، أو السن، أو الإعاقة، أو أي شكل من أشكال التمييز، سواء في التوظيف، أو الأجور، أو ظروف العمل. كما عززت المملكة سياستها الوطنية لمكافحة العمل الجبري، حيث تم إدراج أحكام أكثر صرامة لضمان أن تكون بيئة العمل خالية من أي شكل من أشكال الاستغلال أو الإكراه.
كما تم تنظيم مسألة نقل خدمة العامل غير السعودي، حيث أصبح من الممكن في حالات محددة (مثل عدم تجديد رخصة العمل من قبل صاحب العمل) أن يتمكن العامل من نقل خدماته إلى صاحب عمل آخر دون الحاجة إلى موافقة صاحب العمل الحالي، مما يقلل من حالات التعسف ويضمن استمرارية العامل في سوق العمل.
يمثل نظام العمل السعودي الجديد، بتعديلاته الأخيرة، ركيزة أساسية في تحقيق أهداف رؤية 2030 المتعلقة بتنمية رأس المال البشري وتحسين جاذبية سوق العمل.
إن التركيز على حماية حقوق العاملين، وتبسيط إجراءات فض النزاعات، وتوفير بيئة تعاقدية مرنة وواضحة، يعكس التزام المملكة بتوفير معايير عالمية في بيئة العمل.
هذه التحديثات لا تخدم العاملين فحسب، بل تعود بالنفع على أصحاب العمل أيضاً، من خلال خلق قوة عاملة أكثر استقراراً وإنتاجية، وتقليل النزاعات العمالية، وتعزيز سمعة المملكة كوجهة استثمارية رائدة تحترم حقوق الإنسان والعمل.
إن الوعي بهذه الأحكام الجديدة، سواء من قبل العامل أو صاحب العمل، هو الخطوة الأولى نحو بناء علاقات عمل صحية ومثمرة تساهم في النمو الاقتصادي المستدام للمملكة.
أحكام إضافية:
العمل المرن والعقوبات في النظام الجديد لم تقتصر التعديلات على تنظيم العلاقة التقليدية بين العامل وصاحب العمل، بل امتدت لتشمل تنظيم أنماط العمل الحديثة التي فرضتها التطورات التكنولوجية والاقتصادية، مثل العمل المرن والعمل عن بعد، بالإضافة إلى تشديد آليات الرقابة وتطبيق العقوبات على المخالفين.
تنظيم العمل المرن والعمل عن بعد
أدخل نظام العمل السعودي مفهوم “العمل المرن” لتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة، وهو يتيح للعامل العمل لعدد ساعات أو أيام أقل من ساعات العمل اليومية المعتادة في المنشأة.

عقود العمل وفق نظام العمل السعودي الجديد
العقوبات والرقابة على تطبيق النظام لضمان التطبيق الفعال لأحكام نظام العمل، شددت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية من آليات الرقابة والتفتيش.
يخول النظام لمفتشي العمل صلاحيات واسعة لضبط المخالفات التي ترتكبها المنشآت.
أبرز المخالفات التي يترتب عليها عقوبات:
1.مخالفة أحكام التوطين (السعودة): عدم الالتزام بنسب التوطين المحددة في لوائح الوزارة.
2.عدم توثيق العقود: عدم توثيق عقود العمل إلكترونياً عبر منصة “قوى”.
3.التمييز في الأجور أو التوظيف: مخالفة مبدأ المساواة وعدم التمييز بين العاملين.
4.مخالفة أحكام سلامة وصحة البيئة: عدم توفير بيئة عمل آمنة وصحية للعاملين.تتراوح العقوبات بين الغرامات المالية الكبيرة التي تتضاعف في حال تكرار المخالفة، وقد تصل إلى إغلاق المنشأة مؤقتاً أو نهائياً في حال المخالفات الجسيمة.
ويتم تطبيق هذه العقوبات وفقاً لجدول المخالفات والعقوبات المعتمد من الوزارة، مما يرسخ مبدأ الالتزام القانوني في سوق العمل.
